(3-4)
سيعرف جميع الشعراء العرب يوماً، أنّ الحكم الصائب على شعرهم يجيء من القرّاء البارعين وليس من أقرانهم الشعراء.
سمعنا، في شعر زماننا الراهن، كلّ استعارة غريبة وطريفة ومثيرة وعجائبية وجميلة، لكننا لم نسمع، وربما لن نسمع، كناية مثل (فياغرا شعرية)، لأن لا قيام للشعر إلا بطاقته الداخلية.
أكثر الناس عدم رحمة مع معاصريهم في العالم العربيّ، بل قسوة هم الشعراء مع الشعراء. هذا غريب بالنسبة لمن هو مثلي، مهما كانت درجة المنافسة (الشعرية).
علينا قولها: إن موت الأمّ يغيّر مسار الشاعر أكثر من موت الأب. قتل الأب ضرورة وليس قتل الأمّ.
أشدّ الصيغ خطورة بحق شاعر هي المدح العالي المُصاغ وهو ينطوي على ترجيحات الذم: الريبة من الشاعر نفسه.
أخطأ بحقّ نفسه. تعبير عربيّ يعني لم يفهم حقيقة نفسه العميقة وعمله. كثير من الشعراء العرب اليوم (ولا استثني نفسي) يخطئ بحق نفسه، بهذا الاتجاه أو ذاك.
وصفني صديق عزيز يوم أمس، بأنني شاعر صعب المراس. وقبله وصفني صديق مغربيّ بأني شاعر طيّب، فهل على أن أكون سهلاً، وغير طيّب؟
لا يراد في العالم العربي أن يكون للشعراء اليوم غير دور (أركاييكيّ)، أي أثريّ، ليس فاعلاً في الوجود الفعليّ للكائن، وفي وجود الأجيال الأخرى، وبصفته (بذخاً) وكلاماً جميلاً و(لا معنىً) وتنفسياً عن مكبوت مريب؟
الشعر فعل أيروتيكيّ وليس جنسياً بالضرورة، وهو يخلط اللذة بالجمال بالألم بالخصوبة بالتعالي الشطحيّ عن الذات الفانية في ذات أخرى. كم مرة نقول إن الأيروتيكيا ليست الجنس؟
لا يمكن الاستدارة باللغة، في منعطفات الشعر، نصف استدارة. إما استدارة كاملة أو دون استدارة أبداً. النثر نصف استدارة، فاتنة مراتٍ ومراتٍ ومرات.
لم يتناول شاعر أو مفكّر عربيّ السمّ، حتّى رمزياً. لم يتناول إلا أطايب المائدة. للأسف ليسوا معلّمين كباراً إلا في أشياء لا يتوجّب تعليمها وتعميمها، إلا ندرة. منهم تعلّم الشعراءُ العربُ اللاحقون غالباً، فلنعترف، طعم التمر اللذيذ، وخاصةً أنواعه الرديئة.
لماذا لمِ يدعُ أفلاطون كثيراً من الشعراء إلى مأدبته، رغم أن الحبّ موضوع الاحتفال، وأن المحاورين الأساسيين فيها، بالضرورة في ذلك الوقت، من الشعراء؟ لأنَّ مُفْسِدي البهجات بين الشعراء أكثر من صانعي البهجات.
ذات مرة كتبتُ في قصيدةٍ (حيث أُوَيْقاتنا سعيدة)، ولم أقل (حيث أوقاتنا سعيدة)، لأن الإحساس بالزمن قد يَكْبر أو قد يَصْغر. هنا قد يفيد الشعر من أدوات التصغير الغائبة إلى درجة كبيرة عن الشعر العربيّ الحديث، وهو - أي التصغير - لا يغيب أبداً عن اللغات اللاتينية، كالفرنسية والإسبانية، وخاصة الإيطالية، للسبب (المعرفيّ) والنفسيّ هذا نفسه.
العُجَالَةُ عَجَلَةٌ هوائيّة للشيطان، عندما يتعلّق الأمرُ بالشعر.
الشاعر يمضي بمحنة الوجود، غيره يمضي بمحنة الموجود. محنتان كبيرتان أرفعهما محنة الوجود.
العمى.. ما الذي يرى شعراء العرب اليوم لكي يتمتّعوا بمثل هذا الاسترخاء البَطِر؟ يرون ما لم نرَ…العمى.
الشعر فن الإلماحة والتلميح وليس التصريح. فالتلميح مثل الغمزة بالعين، لا تقول شيئاً ولكنها تقول إلى درجة أنها تصيب بالرعدة أحياناً.
احساسنا، بالشعر والشاعر، قلَّما يخطئ، مهما تشوّشت وتضببتْ السياقات.الشعر من مهامّ الوجود الصعبة، فالجمهور الذي يحتفي بك لسببٍ غير شعريّ، خالص لا قيمة، للأسف، له.
الشاعر والفنان ليس ساذجاً أو طفولياً بل مُدَّعٍ للسذاجة وبراءة الطفولة. مُدَّعٍ صادقاً.
"الأداء" من أفعال الشاعر المهمّة. كيف يُؤدّي المعنى الجوهريّ دون أن يُؤذي اللغة ويجرحها، دون أن يخون نفسه.
تأملات في الشعر: الجميل والجليل
نشر في: 5 مايو, 2017: 09:01 م