TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الصبّاغ والرسّام

الصبّاغ والرسّام

نشر في: 19 يونيو, 2017: 09:01 م

في الفرنسية، لو كنتَ رسّاماً وسُئلتَ عن مهنتك وأجبتَ بأنك (peintre) التي تُترجم بـ (الصبّاغ)، فلن تُفهم جيداً، إلا إذا حدَّدت (بأنك صبّاغ فنّان) أي رسّام، او أنك (صباغ بنايات) أي دهّان.الكلمة وحدها في الفرنسية تعني (الصبّاغ أو الدهّان) فحسب، وهي تثير بعض اللبس، لأنها لا تشير إلى ممارسة حرفية مخصوصة. أن مفردات عربية عريقة لا نشكّ بمعانيها، عندما تُطلق وحيدة دون سياق، قد تثير بعض الالتباس مثل (شاعر) و(كاتب) و(قصّاص)، حيث لا نعرف، في الحقيقة، فيما إذا كنتَ نظّاماً، شاعراً شعبياً، شاعر أطفال، شاعر قصيدة عمودية، شاعراً صوتياً، سوريالياً….إلخ. ولعلّ (القصّاص) أشدّ وطأة إذا ما أخذنا السياق التاريخي الذي تطوّرت فيه من المُحدّث بالقصص الدينيّ إلى السارد الحديث.
في أصل اللسان العربيّ، تقبع علاقة مماثلة بين الصبّاغ والرسّام. يتواتر استخدام الفعل (صَبَغَ) في سياقات متنوعة. ففي الحديث "أَكْذَبُ الناسِ الصبّاغُون والصَّوّاغُون"، وفي القرآن "صِبْغةَ الله ومَنْ أَحْسَنُ من اللهِ صِبْغةً". فما هو الصبْغ وما هي الصباغة يا تُرى؟ وهل للأمر علاقة بالفن التشكيليّ؟ لا يبدو السؤال عابراً وقليل القيمة. الصَّبْغُ في لسان العرب هو الغَمْسُ. وهو يعني تلوين الأشياء عبر غمسها بسائلٍ. وصَبَغَ الثوبَ والشَّيْبَ ونحوَهما، واصْبَغْ ثِيابي صِبَغاً تَحْقِيقاً، مِن جَيِّدِ العُصْفُرِ لا تَشْرِيقاً، والتَّشْرِيقُ الصَّبْغُ الخفيفُ. والصِّبْغُ والصِّباغُ والصِّبْغةُ ما يُصْبَغُ به وتُلَوَّنُ به الثياب، والصِّباغُ مُعالِجُ الصّبْغِ، وحِرْفته الصِّباغةُ. وفي حديث علي في الحج (فوجَد فاطمة لَبِسَتْ ثياباً صَبِيغاً) أَي مَصْبوغة غير بيض. وفي الحديث "فَيُصْبَغُ في النار صَبْغةً أَي يُغْمَسُ" كما يُغْمَسُ الثوبُ في الصِّبْغ.
وهنا يرينا كلام اللسان بشأن "الصبغ – التحقيق" (الغامق الثقيل) و"الصبغ – التشريق" (الخفيف) أن الأمر يتعلق بدرجات التلوين ونغماته. فالصَّبْغُ هو تغيير اللون إلى آخر، وصار في كلام العرب المجازيّ عموم التَّغْيِيرُ. صُبِغَ الثوبُ إذا غُيِّرَ لَونُه وأُزِيلَ عن حاله إلى حالِ سَوادٍ أَو حُمْرةٍ أَو صُفْرةٍ، وقيل هو مأْخوذ من قولهم صَبَغُوني في عينك وصَبغوني عندك، أَي أَشارُوا إليك بأَني موضع لما قَصَدْتَني به، [أي زينّوا شخصيته ولوّنوها] من قوْلِ العرب صَبَغْتُ الرجلَ بعيني ويدي أَي أَشَرْتُ إليه [أي نوَّهت بلونه الإنسانيّ إذا صح التعبير]. معني التغيير ومَنْ يُغيّر ألوان الاشياء قد استُخدِم مجازياً بمعنى سلبيّ، كأنه قد غيّر من طبائعها. لكن مسألة الصباغة، مثلما هي بالفرنسية، تتعلق في آن واحد بحرفة الصبّاغ (خاصة صبّاغ الثياب)، كما تتعلق بالانشغال اللونيّ، والرسم في قلبه.
في العودة إلى الحديث "أَكْذَبُ الناسِ الصبّاغُون والصَّوّاغُون"، يُراد صَبّاغو الثياب وصاغةُ الحُلِيِّ لأَنهم يَمْطُلُون بالمَواعِيد،كما يُفسَّر الحديث. وفي حديث أَبي هريرة: رأَى قوماً يَتَعادَوْنَ فقال: ما لهم؟ فقالوا: خرج الدَّجّالُ، فقال: كَذِبةٌ كَذَبَها الصّباغُون، وروي الصوَّاغون. ونرى هنا التصوّر التقليديّ عن المصوّرين وقد انتقل حرفياً إلى الصبّاغين، وكلاهما كانا يتعاطيان حرفة التلوين، للثياب وللرسوم.
بهذا التأويل قد نستطيع إعادة قراءة التعبير (صِبْغة الله) أي دِينُه أو أَصلُه، وتفسير (الصِّبغة) أي الشرِيعة والخِلقة، بدلالتين مختلفتين تماماً: بمعنى صباغته حرفياً باللون الخاص الذي منحه الله (المُصوّر الأول) للكائنات، ففي التنزيل "صِبْغةَ الله ومَنْ أَحْسَنُ من اللهِ صِبْغةً". (صِبْغة الله) في هذه الآية الكريمة يمكن أن تُفهم بمعنى (تلوينه) الربّانيّ للبشر بصبغات (teints) شتى، أو منحه لوناً فريداً للكائن الآدمي. وعلى مستوى مجازيّ، يمكن أن تُفهم عبارة (صَبْغ النصارى أَولادهم في الماء)، وهو التطهير والتعميد،بدلالة الصبغ الرمزيّ، الموصول في أصله بفكرة الصبغ بالألوان، لكنه اتخذ طابعاً تجريدياً دينياً، حيث نُسِيَ أصل الصبغ والصباغة المحسوس تماماً، وبعبارة أخرى فُهِمَ التعميد نفسه على أنه صباغة بـ "لون الماء”.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

تاريخ الأسطورة الفاوستية

قناطر: متاحفنا بلا زائرين. . لماذا؟

انتهاء مباحثات الرياض بين ممثلي كييف وواشنطن من دون الإعلان عن هدنة

قضية الناشط التشريني إحسان أبو كوثر تتفاعل: والده تعذب في مراكز الاحتجاز!

الحرب الباردة بنسختها الثانية

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: غزوة علي الطالقاني

العمود الثامن: سافرات العبادي

العمود الثامن: تجربة فشل!!

قناطر: البصرة في جذع النخلة.. الطالقاني على الكورنيش

الضربات الأميركية على الحوثيين تقرب الحرب مع إيران

قناطر: متاحفنا بلا زائرين. . لماذا؟

طالب عبد العزيز كثيرا ما نرى، وضمن فعاليات معارض الكتب في العالم توافد طلاب المدارس عليها، وهو مشهد كنت قد شاهدته في مدن كثيرة منها بيروت والقاهرة وغيرها، لكنني قلما شاهدته في بغداد والبصرة،...
طالب عبد العزيز

الحرب الباردة بنسختها الثانية

حسن الجنابي لا أخفي انحيازي، إذا خُيرت، الى نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي قام على حافة المواجهة والردع الاستراتيجي المتبادل، فيما أصطلح عليه بفترة الحرب الباردة. الحرب التي أجاد توازناتها زعماء، ربما...
حسن الجنابي

عن لعنة المال

عبد الكريم البليخ يُقال إنّ المال عصبُ الحياة، ويُقال أيضاً إنه زبالة الدنيا. بين هذين النقيضين، تتأرجح البشرية منذ أن خُلق الإنسان، وما زالت الحيرة تفتك بقلوب العاقلين، بين من يراه نعمة وضرورة، ومن...
عبد الكريم البليخ

الحرب في أوكرانيا: ليست أمريكا هي التي تخون أوروبا، بل أوروبا هي التي لم تتمسك بخطها

فينسنت تورنييه ترجمة :عدوية الهلالي يبدو ان دونالد ترامب مريح جدًا فبفضله أصبح بوسع الأوروبيين أن يتجنبوا المناقشات الجوهرية: ما هي مسؤوليتهم في الحرب في أوكرانيا؟ ماذا فعلوا لوقف ذلك؟ وما هو استعدادهم للقيام...
فينسنت تورنييه
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram