TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > موقف العامّة من فن "التصوير الإسلاميّ"

موقف العامّة من فن "التصوير الإسلاميّ"

نشر في: 3 يوليو, 2017: 09:01 م

ما زلنا نقول إن هذا الفرع الذي يُهمنا في تاريخ الفن العام، المُسمّى بـ (الفن الإسلاميّ)، قد اسْتُبْعِدَ اليومَ من الذاكرة الثقافية العربية، أو اخْتُصِر مفهومياً، وسُطِّحَ تاريخياً، بشكل ساذج أو كاريكاتوريّ، حتى أننا لا نجد متخصّصين به في بلداننا رغم حمولته الثقيلة، جمالياً ومعرفياً. وإذا ما عُرِفَ رمزٌ من رموز الفن الإسلاميّ، مثل يحيى الواسطيّ، فليس بسبب الواسطي إنما من أجل فهم جواد سليم ما. السبب الجوهريّ لهذا الاستبعاد والابتسار؟ هو ربط افتراضيّ بين (الفن) و(الدين) لا مقام له، أو فلنقل لا مقامَ كبيراً له فيما يتعلق بالفن الإسلاميّ الذي هو كالشعر العربيّ: علاقته بالدين أوهى من خيط العنكبوت إلا عند قلة لا يُعتد بها من الشعراء.
 المُنْجَز الموجود أمامنا، الرسوم التشخيصية أو الأعمال التجريدية، يبرهن لنا ذلك. الواسطي دليل واحد قويّ على اختفاء أي نزعة دينية مُفْترضَة، بالنسبة للقراء الذين لا يعرفون غيره، والأمثلة كثيرة. وبالنسبة لمن يعرف فنون الزخرف ويظنها فناً دينياً، فهي لا تتعدى أن تكون إشكالاً محايدة، لا تُحرّم ولا تُحلّل، ولا تبوح أو تُلمّح بأي فكرة سوى كونها أسلوباً جمالياً معروفاً لفنٍّ لصيق بمنطقة وجماعة ثقافية: يُشكّل الإسلام إحدى خلفياتها فقط.
لكن ما هو موقف عامة الناس يومذاك؟
أورد في البدء هذه الواقعة التي ينقلها التوحيديّ في (البصائر والذخائر) والثعالبيّ في (التمثيل والمحاضرة) عن مُزَبّد المديني:
"قيل لمُزَبّد وقد صوَّر بيته "إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تصاوير"، فقال: ما أصنع بدخولهم بيتي، وهل فيهم إلا صاحب خبرٍ، أو قابض روح". انتهى. وكان مُزبّد المديني نشأ في المدينة المنورة عابثاً ذا مجون، ثم انتقل لبغداد زمن الخليفة المهدي (754 – 785م). الواقعة تبرهن أن الناس لم تكن تبالي كثيراً بشأن كراهية أو تحريم فن التصوير التشخيصيّ، مثلما لم تكن تبالي، على الصعيد الاجتماعيّ، بتحريم الخمرة مثلاً. وهكذا كان مُزَبّد قد صوّر بيته. والتعبير (صوّر بيته) يشير إلى أنه كان قد ملأه بشكل واسع بالرسوم التشخيصية (التصاوير).
وإليكم  مثالاً ثانياً، تتوجّب قراءته بدقة: في رواية للبخاري قال: كنت عند ابن عباس إذ جاءه رجل فقال: (يا ابن عباس! إني رجل إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير). فقال ابن عباس: لا أحدّثك إلا ما سمعت من رسول الله، سمعته يقول: من صوَّر صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبداً. فربا الرجل ربوة شديدة، فقال: ويحك! إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح. انتهى.
الحادثة دالة وذات مغزى لذكرها أن الرسّام (ربا ربوة شديدة)، أي تضايق فارتفع نَفَسَه. في اللسان الرَّبْوُ والرَّبْوَةُ هو البُهْرُ وانْتِفاخُ الجَوْفِ. والرَّبْوُ النَّفَسُ العالي. ورَبا يَرْبُو رَبْواً أَخَذَه الرَّبْوُ. وطَلَبْنا الصَّيْدَ حتى تَرَبَّيْنا أَي بُهِرْنا. وفي حديث عائشة أَن النبي قال لها ما لي أَراكِ حَشْيَا رابيَةً؛ أَراد بالرابية التي أَخَذَها الرَّبْوُ وهو البُهْرُ، وهو النَّهِيجُ وتَواتُرُ النَّفَسِ الذي يَعْرِضُ للمُسْرِعِ في مَشْيِه وحَرَكَتِه وكذلك الحَشْيا. [الرسأم بُهِرَ، وهذا فعل رفض قوي للغاية حتى أن ابن عباس قال له: ويحك]. الرسأم تأفّف بمعنى آخر، مما يدلّ على عدم وجود إجماع بقبول هذا التحريم، منذ البداية (ابن عباس 619م تقريباً - 687م أي القرن السابع الميلاديّ). لكن الحادثة تدلّ أن فن الرسم كان صنعة (فناً) يُعتاش بها، خلاف ما يقال لنا عادة عن ذلك الزمان.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: غزوة علي الطالقاني

العمود الثامن: فتوى المشهداني

العمود الثامن: تجربة فشل!!

الضربات الأميركية على الحوثيين تقرب الحرب مع إيران

إنعكاس العقوبات الأمريكية على إيران وإنتاج الكهرباء في العراق

العمود الثامن: العدالة على الطريقة العراقية

 علي حسين منذ أن اعترف المرحوم أفلاطون بأنّ العدالة هي حكم الأكثر كفاءة، والناس يبحثون عن أصحاب الكفاءات الذين يملأون الأرض منجزاً وصدقاً، وليس عن أصحاب الخطب والمواعظ والشعارات. وكما أخبرنا صاحب الجمهورية...
علي حسين

السياسة في العراق بوصفها مهاترات وثرثرة

إياد العنبر ربما يحمل عنوان المقال نبرة تهكم على التعريف العام للسياسة بأنها "فن الممكن"، وربما أيضا يحاكي عنوان المرجع الأهم في علم السياسة لعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في كتابه "العلم والسياسة بوصفهما...
اياد العنبر

أصيلة مُحمّد بن عيسى: العُمران بالثَّقافة

رشيد الخيُّون رحل المثقف والدُّبلوماسي والوزير محمّد بن عيسى(1937-2025)، تاركاً إرثاً ثقافياً نوعياً، يتمثل في «موسم أصيلة». كانت تجربةً ثريةً، تتمثل في عمران المدن بالثّقافة، ودرساً مهماً عطفت به السِّياسة لصالح الثَّقافة وليس العكس....
رشيد الخيون

طائرات طائرات طائرات

غسان شربل كان الليل لطيفاً في بيروت. والمقاهي ساهرة كالقناديل قبالة البحر. ومن عادة هذه المدينة أن تغطي جروحَها وخيباتها. وأن تتحدّى موتها والركام. وأن تقنع الزائر أن عرساً يأتي على رغم مقتل كثير...
غسان شربل
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram