نعتقد، بقليل من التردّد، أن مفهوم الشذرة وفق القراءات الرائجة اليوم، ينطوي على شغف محمود، لكنه يُبْعد ويَفْصِل السياقات المحددة التي قيلت الشذرة فيها، والمفاهيم الفكرية والفلسفية لقائلها، المحيطة بها، المندغمة بها اندغاماً. هكذا تتحول (الشذرة)، عربياً، إلى طرفة في أحسن الأحوال. ويُساء استخدامها في أسوأ الحالات. ويمكن أن يُوظّفها بالثقة ذاتها أشخاص متنافرو الاتجاهات الثقافية والفكرية والسياسية، حتى ممن تستهدف مواقفهم وسياقاتهم، هم، الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية. هذا الإجماع على شذرة من الشذرات غير مريح. سيقال لنا أننا نتوجّه بالنقد إلى (طريقة الاستخدام ) وليس لفحوى الفكرة التي تنطوي عليها هذه الشذرة أو تلك، فالشذرة أيها السيد، مثل الفكر الذي يمتاز بقوته التجريدية أي قدرته على التعميم على ظروف ونماذج وفضاءات متباعدة. سنقبل بهذا التحفّظ، شريطة عدم التمسّك حصراً بالإثارة الطرفوية، والبقاء في "النكتة" وحدها، سيقال لنا أن الطرفة تشهر تناقُضاً ومُفارَقة من طبيعة عميقة بشأن ما تتظرّف بشأنه. ونقبل بذلك أيضاً عارفين أن المرغوب به اليوم في طرفات الفكر هو، للأسف، المُفاكهة والتسلية بالدرجة الأولى وليس المفارقة الذهنية العميقة.
ولكي لا نبقى في العموميات، إليكم هذه الشذرة التراثية التي وقع استخدامها كثيراً في آونة داعش الأخيرة: "الطغاة مَجْلَبَة للغزاة”. عبارة جميلة ومثيرة وطرفوية، و(صحيحة) للوهلة الأولى. بعد التمعن في (طريقة استخدام) شريحة واسعة من المثقفين العراقيين والسوريين الذين لا يرغبون بإعلان موقف واضح من الإرهاب (أو يريدون استثماره)، سنتحقق من أن هدف الأعجاب بها هو، بالضبط، عدم التصريح بموقف مناهض للإرهاب، من أجل التبئير على الطغاة وحدهم. السياق البسيط، أو السياق المُركَّب الذي قد تقال هذه الكلمة المُحْكَمَة فيه، هو ما ينقص لإدراك مغزاها الأخير.
من جهة أخرى، أحَبَّ هذه الشذرة أيمّا حُبّ، أشخاص من بلدان ما زال يحكمها طغاة "الأنظمة الريعية" الذين هم نمط خاص من كلّ طغيان معروف في التاريخ الإنسانيّ. هؤلاء لم يكونوا معنيين بالفكر الجوهريّ للشذرة المذكورة والذي يَمسّ شخوصهم المحترمة ووضعهم الذاتيّ في قلب طغيان لا "يتناطح عنزان" حول طبيعته. الطرفة المُجرَّدة كانت همّهم الشاغل، الطرفة المُفْرَغة من محتواها العميق ومفارقتها الذهبية.
لكن أليس العكسُ صحيحاً أيضاً: “الغزاة مَجْلَبَة للطغاة". وهو أمر لا يحتاج الكثير من البراهين عليه. الغزاة؟ لِمَ لا يرغب المتولّهون بهذه الشذرة في بعدها التجريديّ والطرفويّ الوحيد، رؤية الإرهاب بأثوابه الجديدة نوعاً من الغزو الصريح؟ إنه غزو من جهات الأرض الأربع. في حالات عربية معينة يمكن أن يكون هؤلاء الغزاة الجدد قد وطّدوا ودعموا الطغاة في نهاية المطاف، وعَقّدوا أمر مناهضتهم والكفاح ضدهم. هذا أمر في غاية الأهمية.
أما سياق الشذرة الحالية، فهو منسيّ تقريباً، وقد قالها ابن خلدون في أبيات منها:
حُكْمُ الطُّغَاةِ إلى الأعداء مَجْلَبَةٌ - والظٌّلْمُ مِنْ قِدَمٍ للظُّلْمِ جَلَّابُ
والجَوْرُ يَجْعَلُ كُلَّ النَّاسِ جائِرَةً - إنَّ العداوة بين الناسِ أسْبَابُ
محور النص هو (الظلم) الذي يستجلب الظلم، فلم يمنح أولويّة للطغاة ولا للغزاة، فـ (الجَوْرُ يَجْعَلُ كُلَّ النَّاسِ جائِرَةً). أما السياق الأندلسيّ للأبيات (تشتُّتها الى ملوك طوائف من الطغاة..الخ) والذي كان مَجْلَبة للأرغونيين والقشتاليين...الخ المُسمّين بالغزاة، فهو موضوع آخر، قد يُعزّز فرضية ضرورة الانتباه إلى سياق الشذرات.
يمكن للجميع التشبث بهذه الشذرة، وهو ينشطر إلى شطرين: شطر لا يرى سوى الطغاة، وشطر لا يرى إلا الغزاة. رؤية أحادية مريحة. الرؤية المُركَّبة: مُناهَظة طغاة الأنظمة ومُناهَظة الغزاة كليهما وفي آن واحد، خيار صعب، لكنه جوهريّ.
هذه الشذرة: "الطغاة مَجْلَبة للغزاة”
نشر في: 31 يوليو, 2017: 09:01 م